معلومات عامة معلومات عامة الماضي والتراث هو الوصفة السحرية للتقدم

الماضي والتراث هو الوصفة السحرية للتقدم

إرسال إلى صديق طباعة PDF


بقلم: د. محمد شــهاب، نائب ومستشار رئيس جمعية الصداقة السورية اليابانية.Dr_Shihab

ربما الأن اليابان هي ثاني أكبر قوة اقتصادية وصناعية في العالم. خاصة في مجال التحديث والتكنولوجيا حيث وصلت اليابان إلى القمة. ومن زار اليابان وتعرف عليها سوف يتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها الدولة العظمى في مجال العلم التكنولوجي والصناعي مع العلم بأنها أفقر الدول بالثروات الطبيعية والطاقة التي تشن الحروب من أجلها في أرض المعمورة. ووصلت اليابان في مجال الالكترونيات والإنسان الآلي الروبوت إلى درجة يندهش لها حتى العالم الغربي. أما العرب فحدث ولا حرج. مسؤول من بلادي كنت أرافقه في جولة له داخل اليابان مدعواً من الحكومة اليابانية، قال لي كلمة تعبر إلى حد بعيد عن ذلك: اليابان كوكب آخر لا ينتمي لكوكبنا . أما عن الناحية الحضارية في التعاملات البشرية، فاليابانيون يتعاملون مع بعضهم البعض، ومع الآخرين بطريقة إنسانية حضارية قل أن تجد لها نظيراً في العالم كله هذه الدولة التي وصلت إلى تلك القمة في العلم والتكنولوجيا والحضارة، هل وصلت لها عن طريق العولمة وجنون الموضى الغربي، أبداً. فالجميع يعلم أن اليابان لا

زالت متمسكة بالعديد من خصائصها الثقافية التي تجعلها متميزة عن ثقافة الدول الصناعية الكبرى. ونحن نعلم أن السبع الكبار هم ست دول غربية واليابان هي الوحيدة التي لا تنتمي ثقافياً إلى الغرب. اليابان تلك الدولة التي وصلت إلى قمة التحديث، لا زال بها العديد من الأشياء التي من الممكن أن تصنف على أنها أشياء لا تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، بل وتعتبر بدائية ورائية من العصر الحجري .. من ضمن الأشياء هي اللغة. اللغة اليابانية في أصلها لغة كانت لغة منطوقة وليس لها حروف تكتب بها. وعندما احتاج اليابانيون في قديم الزمن إلى الكتابة اضطروا إلى استعارة طريقة الكتابة من جارتهم وإلى حد كبير جدهم، الصين علماً بأن اللغة الصينية التي ليس لها أي علاقة باللغة اليابانية من حيث المبدأ. الكتابة الصينية هي كتابة بدائية بطريقة الرموز التصويرية تسمى الكانجي . وهي ما يمكن أن يعتبر شيئا بدائياً، أي أن الإنسان البدائي في الغابة عندما يريد التعبير عن شيء يرسمه، فكلمة شجرة هي رسم لها وكلمة جبل هي رسم للجبل ونهر كذلك يرسم ثلاثة خطوط متموجة تعبر عن جريان الماء..إلخ.

هكذا أخذت اليابان طريقة الكتابة تلك من الصين في القرنين الخامس والسادس ميلادياً ولا زالت هي المستخدمة إلى اليوم، ولكن اليابان طورت من هذه الرموز حروفاً هجائية مبسطة لتعبر عن الصوتيات في اللغة اليابانية لتستخدم في الربط بين الكلمات والجمل. وهذه الحروف نوعان هيراغانا لكتابة أدوات الربط وبواقي الأفعال و كاتاكانا لكتابة الكلمات الاجنبية الدخيلة على اللغة اليابانية (فيما عدا بالطبع الكلمات الصينية). وأصبحت الجملة اليابانية اليوم تتكون من ثلاثة أنواع من الحروف هي رموز الكانجي وحروف الهيراغانا وحروف الكاتاكانا. وبالطبع لا يخفى على أحد الصعوبة البالغة في تعليم لغة مثل هذه اللغة لأن رموز الكانجي هي بلا عدد، ويقال أن رموز الكانجي في اللغة الصينية تصل إلى عشرات الآلاف، بل ويصل بها البعض إلى مئات الآلاف. ولذلك اضطرت اليابان إلى اصدار قانون يحد من الرموز الصينية التي تستخدم في وسائل الاعلام من صحافة ومجلات وفي مجال التعليم الإجباري، ويتغير عدد تلك الرموز كل فترة بالحذف والزيادة، والقانون الآن ينص على 1945 رمزاً (ألف وتسعمئة وخمسة وأربعون رمزاً). ولهذا أثناء الاحتلال الأمريكي لليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وبحجة الصعوبة وانعدام العملية حاول الأمريكيون بطيشهم المعروف مسخ هذه الحضارة بإلغاء استخدام الكانجي واستبداله بالحروف اللاتينية كما فعل المستعمرون وعملاؤهم في عدة دول. لكن هيهات، وقف اليابانيون بحزم ضد ذلك لمعرفتهم وإيمانهم بحضارتهم وثقافتهم، وإن تغيير طريقة الكتابة ليس عملياً على الاطلاق. فاللغة اليابانية لا تصلح أبداً للحضارة اليابانية والعكس هو صحيح أيضاً.

بالإضافة إلى الكوارث العديدة الأخرى التي ستنتج عن ذلك. منها القطيعة المعرفية للأجيال التي ستنشأ عن المنهج الجديد بكل ماضيها وتراثها المكتوب باللغة القديمة. وقف اليابانيون رغم وقوعهم تحت الاحتلال ضد رغبة المحتل الغاشم في نزعهم من أصولهم وماضيهم وتراثهم اللغوي، وذلك على الرغم من أن الكتابة في الأصل مستعارة وليست أصيلة لهم، إلا أن توالي هذه القرون الطويلة جعلتها جزءاً لا يتجزأ من تراثهم وثقافتهم. الشيء الثاني وإن كان يبدو بسيطاً إلا أنه عميق في معناه، وهو (الهاشي)عصي الأكل. فتقريباً شعوب شرق وجنوب شرق آسيا كلها تستخدم عصتي الأكل في تناول الطعام، ويقال إن الصين هي أول من بدأ استخدام عصاتين من الخشب في تناول الطعام وذلك منذ خمسة آلاف سنة، ومنها انتشرت هذه العادة إلى الدول المجاورة، ويقال أيضاً إن ثلث سكان العالم يستخدمون العصي بدلاً من الملاعق أو الشوك والسكاكين. وهي طريقة تعتبر بدائية مقارنة بأدوات المائدة الغربية، أو الايتيكيت الغربي.

ومنذ قديم الأزل والياباني ينام على الأرض فوق ما يسمى التاتامي وهــــو لوح من الحصير المصنوع بطريقة خاصة. تغير البيت الياباني كثــــيراً واتخذ الطراز الغربي في الديكور والأساس. إلا أنه لا زال يوجد داخل كل بيت ياباني غرفة واحدة على الأقل يابانية الطراز مفروشة بحصير التاتامي. وفي الأغلب تكون هي غرفة النوم. رغم كل التقدم والرفاهية التي وصل إليها الياباني إلا أنه لا زال ينام على الأرض. وأيضاً الفنادق اليابانية ذات الطراز الياباني العريق والتي تُسمى بالـ (ريوكان) ، لا يوجد بها أسرّة، ولكــــــن كل غرفها مفروشة بالتاتامي، وينام نزلاؤها حتى ولو كان الامبراطور، على الأرض فوق التاتامي. وآخر ما سأتكلم عنه هو الدين، وهو أهم ما في الموضوع. فاليابان التي وصلت كما سبق القول إلى قمة التقدم التكنولوجي والعلم الحديث، بل وقمة عالية من الأخلاق الحضارية الإنسانية في تعاملات البشر مع بعضهم البعض، لا زالت دينياً في مرحلة الديانة البدائية . ديانة عبادة الأرواح وتعدد الآلهة التي تصل إلى أرقام فلكية، إذ تُسمى ديانة الشنتو ، الديانة الأصيلة لليابان منذ قديم الزمن وحتى الآن بديانة الثمانية ملايين إله ، ثمانية ملايين ليس هو العدد الفعلي ولكنه يطلق للدلالة على الكثرة. العلماء اليابانيون يرون أن ترجمة كلمة كامي اليابانية "الإله" (GOD) ترجمة خاطئة والأصح هو ترجمتها إلى روح (SPIRIT) أما المقابل للإله أو الرب (GOD) في اليابانية فلا يوجد، لأنهم ليست لديهم فكرة الربوبية التي توجد في الأديان السماوية. لذلك عندما جاء المبشرون النصارى إلى اليابان في القرن السادس عشر لم يكن لديهم يد من ترجمة (GOD) إلى كلمة كامي اليابانية التي تعني الروح وتستعمل بمعنى مقارب من الرب أو الإله. ديانة الشنتو هي ديانة بدائية تعبد الطبيعة وتعتمد على أن لكل شيء في الطبيعة روحا مقدسة لا بد التقرب إليها حتى لا تضر الإنسان. للجبل روح، للغابة روح، للنهر روح، للبحر روح، للأرض روح، للسماء روح، للمطر روح، للسحب روح .. وهكذا. وهي ديانة دهرية، أي أن الإنسان يعيش في هذه الدنيا فقط ولا يهلكه إلا الدهر، وبعد الموت لا يوجد إلا العدم، لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار. هذه هي الديانة الأصيلة لليابان ويقدر عدد معتنقيها في اليابان بثمانين في المئة من الشعب الياباني، أما باقي الديانات فهي واردة من الخارج. ثاني أكبر ديانة هي البوذية ، وهي كما نعلم جاءت من الهند عن طريق الصين في القرن السادس الميلادي، ويقدر عدد معتنقيها في اليابان بسبعين في المئة من الشعب. ليس هناك خطأ في الأرقام. أي نعم المجموع هو 150% ولكن ذلك سببه أن الياباني يعتنق أكثر من دين في وقت واحد. وهم قد خصّصوا الشنتو للمناسبات السعيدة، مثل الزواج والميلاد واحتفالات العام الجديد، وخصصوا البوذية للمناسبات الحزينة مثل الموت والمرض. وأما عن الباقي فأكبر ديانة سماوية هي النصرانية لا يزيد عدد معتنقيها من اليابانيين عن الواحد في المئة. ولا زال أغلب النشاط الاجتماعي في اليابان يدور في فلك الديانات اليابانية العتيقة التي من الممكن وصفها بالبدائية ، سواء الشنتو أو البوذية أو حتى إذا أضفنا لها الكونفوشية التي أثرت تأثيراً كبيراً على اليابانيين في نمط حياتهم المعيشية، وإن كان لا يوجد لها تأثير كبير في مجال العقيدة أو الشعائر الدينية إلا فيما ندر. وأخيراً لا بد من التفكير بالأسباب التي أرست إلى الحفاظ على هذا الماضي الذي هو الإستمرار لحياة الشعوب والحضارات .

إذاً اليابانيون بدائيون في ديانتهم، يعتقدون أن هناك أرواحا في الطبيعة يجب تقديم الشكر والتقديس لها لكي تجلب الخير ويجب إتقاء غضبها لكي لا تنالهم شرورها. و مع ذلك لم يمنع تمسّك اليابانيين بذلك من الوصول إلى أقصى درجات العلم والتكنولوجيا وتفوقهم على الغرب في العديد من المجالات سواء الصناعية أو التكنولوجية. لا بل  إن سبب تراجع اليابان النسبي في الفترة الأخيرة، هو إبتعاد الجيل الجديد من الشباب الذي نشأ في ظل التقدم والرفاهية والتواصل مع الغرب عن ثقافته وحضارته الأصيلة التي تختلف تمام الإختلاف عن ثقافة الغرب وحضارته المادية. وإنني أرى بالحداثة والتطوير بمعناها الذي يهدف إلى بتر ونسف الماضي والتراث ليست هي الوصفة السحرية للتقدم كما يحاول البعض أن يوهمنا. خاصة وأن تراثنا العربي الإسلامي لا يمكن وصفه بأي حال بالبدائية بل هو قمة لا تعلو عليها قمة أخرى وفي كل المجالات من الفكر والأدب والأخلاق... الخ.

وكثيراً مانشاهد الآن من  دعاة الحداثة (وليس التحديث) بعد ظهور عوار نظريتهم، في الدعوة إلى الماضي وأرشفته في برامج حياتنا اليومية والعودة إلى الطبيعة ومنتجاتها والإبتعاد عن المصنع والتصنيع وخاصة الأجهزة الإلكترونية لما لها من تأثير سلبي في الإستخدام المفرط، ولا أعني بأننا يجب رفض التحديث وإنما التشبث في تراثا وليس التخلص منه. والإعتناء بطريقة تحديث حضارتنا بشــكل لا يمس المبادئ ومواكب لقطار الزمان برجاء أن لا يخطأ ركابه في محطات الوقوف أو الإنتطار إلى أن يصلهم بمحطتهم المقصودة!